‏إظهار الرسائل ذات التسميات رجال حول الرسول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رجال حول الرسول. إظهار كافة الرسائل

عبدالرحمن بن أبي بكر ( بطل حتى النهاية )



رجال حول الرسول ( صلّى الله عليه وسلّم )





عبدالرحمن بن أبي بكر ( بطل حتى النهاية )

  هو صورة مبيّنة للخلق العربي بكل أعماقه, وأبعاده..
فبينما كان أبوه أول المؤمنين.. والصدّيق الذي آمن برسوله إيمانا ليس من طراز سواه.. وثاني اثنين إذ هما في الغار..كان هو صامدا كالصخر مع دين قومه, وأصنام قريش.!!
وفي غزوة بدر, خرج مقاتلا مع جيش المشركين..
وفي غزوة أحد كان كذلك على رأس الرماة الذين جنّدتهم قريش لمعركتها مع المسلمين..
وقبل أن يلتحم الجيشان, بدأت كالعادة جولة المبارزة..
ووقف عبدالرحمن يدعو إليه من المسلمين من يبارزه..
ونهض أبو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه مندفعا نحوه ليبارزه, ولكن الرسول أمسك به وحال بينه وبين مبارزة ولده.
   إن العربي الأصيل لا يميزه شيء مثلما يميزه ولاؤه المطلق لاقتناعه..
إذا اقتنع بدين أو فكرة استبعده اقتناعه, ولم يعد للفكاك منه سبيل, اللهمّ إلا إذا أزاحه عن مكانه اقتناع جديد يملأ عقله ونفسه بلا زيف, وبلا خداع.
فعلى الرغم من إجلال عبدالرحمن أباه, وثقته الكاملة برجاحة عقله, وعظمة نفسه وخلقه, فان ولاءه لاقتناعه بقي فارضا سيادته عليه.
ولم يغره إسلام أبيه بإتباعه.
وهكذا بقي واقفا مكانه, حاملا مسؤولية اقتناعه وعقيدته, يذود عن آلهة قريش, ويقاتل تحت لوائها قتال المؤمنين المستميتين..
والأقوياء الأصلاء من هذا الطراز, لا يخفى عليهم الحق وان طال المدى..
فأصالة جوهرهم, ونور وضوحهم, يهديانهم إلى الصواب آخر الأمر, ويجمعانهم على الهدى والخير.
ولقد دقت ساعة الأقدار يوما, معلنة ميلادا جديدا لعبدالرحمن بن أبي بكر الصدّيق..
لقد أضاءت مصابيح الهدى نفسه فكنست منها كل ما ورثته الجاهلية من ظلام وزيف. ورأى الله الواحد الأحد في كل ما حوله من كائنات وأشياء, وغرست هداية الله ظلها في نفسه وروعه, فإذا هو من المسلمين..!
ومن فوره نهض مسافرا إلى رسول الله, أوّأبا إلى دينه الحق.
وتألق وجه أبي بكر تحت ضوء الغبطة وهو يبصر ولده يبايع رسول الله.
لقد كان في كفره رجلا.. وها هو ذا يسلم اليوم إسلام الرجال. فلا طمع يدفعه, ولا خوف يسوقه. وإنما هو اقتناع رشيد سديد أفاءته عليه هداية الله وتوفيقه.
وانطلق عبدالرحمن يعوّض ما فاته ببذل أقصى الجهد في سبيل الله, ورسوله والمؤمنين...
  
  في أيام الرسول عليه صلاة الله وسلامه, وفي أيام خلفائه من بعده, لم يتخلف عبدالرحمن عن غزو, ولم يقعد عن جهاد مشروع..
ولقد كان له يوم اليمامة بلاء عظيم, وكان لثباته واستبساله دور كبير في كسب المعركة من جيش مسيلمة والمرتدين.. بل انه هو الذي أجهز على حياة محكم بن الطفيل, والذي كان العقل المدبر لمسيلمة, كما كان يحمي بقوته أهم مواطن الحصن الذي تحصّن جيش الردّة بداخله, فلما سقط محكم بضربة من عبدالرحمن, وتشتت الذين حوله, انفتح في الحصن مدخل واسع كبير تدفقت منه مقاتلة المسلمين..
وازدادت خصال عبدالرحمن في ظل الإسلام مضاء وصقلا..
فولاؤه لاقتناعه, وتصميمه المطلق على إتباع ما يراه صوابا وحقا, ورفضه المداهنة...
كل هذا الخلق ظل جوهر شخصيته وجوهر حياته, لم يتخل عنه قط تحت إغراء رغبة, أو تأثير رهبة, حتى في ذلك اليوم الرهيب, يوم قرر معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد بحد السيف.. فكتب إلى مروان عامله بالمدينة كتاب البيعة, وأمره إن يقرأه على المسلمين في المسجد..
وفعل مروان, ولم يكد يفرغ من قراءته حتى نهض عبدالرحمن بن أبي بكر ليحول الوجوم الذي ساد المسجد إلى احتجاج مسموع ومقاومة صادعة فقال:
" والله ما الأخيار أردتم لأمة محمد, ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية.. كلما مات هرقل قام هرقل"..!!
لقد رأى عبدالرحمن ساعتئذ كل الأخطار التي تنتظر الإسلام لو أنجز معاوية أمره هذا, وحوّل الحكم في الإسلام من شورى تختار بها الأمة حاكمها, إلى قيصرية أو كسروية تفرض على الأمة بحكم الميلاد والمصادفة قيصرا وراء قيصر..!!
   لم يكد عبدالرحمن يصرخ في وجه مروان بهذه الكلمات القوارع, حتى أيّده فريق من المسلمين على رأسهم الحسين بن علي, وعبدالله بن الزبير, وعبدالله بن عمر..
ولقد طرأت فيما بعد ظروف قاهرة اضطرت الحسين وابن الزبير وابن عمر رضي الله عنهم إلى الصمت تجاه هذه البيعة التي قرر معاوية أن يأخذها بالسيف..
لكن عبدالرحمن بن أبي بكر ظل يجهر ببطلان هذه البيعة, وبعث إليه معاوية من يحمل مائة ألف درهم, يريد أن يتألفه بها, فألقاها ابن الصدّيق بعيدا وقال لرسول معاوية:
" ارجع إليه وقل له: إن عبدالرحمن لا يبيع دينه بدنياه"..
ولما علم بعد ذلك أن معاوية يشدّ رحاله قادما إلى المدينة غادرها من فوره إلى مكة..
وأراد الله أن يكفيه فتنة هذا الموقف وسوء عقباه..
فلم يكد يبلغ مشارف مكة ويستقر بها حتى فاضت إلى الله روحه,, وحمله الرجال على الأعناق إلى أعالي مكة حيث دفن هناك, تحت ثرى الأرض التي شهدت جاهليته..
وشهدت إسلامه..!!
وكان إسلام رجل صادق, حرّ شجاع...

عبدالله بن عمرو بن العاص ( القانت الأوّاب )



رجال حول الرسول ( صلّى الله عليه وسلّم )

    عبدالله بن عمرو بن العاص ( القانت الأوّاب )

  القانت, التائب, العابد, الأواب, الذي نستهل الحديث عنه الآن هو: عبدالله بن عمرو بن العاص..
 كان أبوه أستاذا في الذكاء والدهاء وسعة الحيلة.. كان هو أستاذا ذا مكانة عالية بين العابدين الزاهدين, الواضحين..
لقد أعطى العبادة وقته كله, وحياته ملها..
وثمل بحلاوة الإيمان, فلم يعد الليل والنهار يتسعان لتعبّده ونسكه..
  
  ولقد سبق أباه إلى الإسلام, ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعا, وقلبه مضاء كالصبح النضير بنور الله ونور طاعته..
عكف أولا على القرآن الذي كان يتنزل منجّما, فكان كلما نزلت منه آيات حفظها وفهمها, حتى إذا تمّ واكتمل, كان لجميعه حافظا..
ولم يكن يحفظه ليكون مجرّد ذاكرة قوية, تضمّ بين دفتيها كتابا محفوظا..
بل كان يحفظه ليعمر به قلبه, وليكون بعد هذا عبده المطيع, يحلّ ما أحلّ, ويحرّم ما يحرّم, ويجيب له في كل ما يدعو إليه ثم يعكف على قراءته, وتدبّره وترتيله, متأنقا في روضاته اليانعات, محبور النفس بما تفيئه آياته الكريمة من غبطة, باكي العين بما تثيره من خشية..!!
كان عبدالله قد خلق ليكون قد
قدّيسا عابدا, ولا شيء في الدنيا كان قادرا على أن يشغله عن هذا الذي خلق له, وهدي إليه..
إذا خرج جيش الإسلام إلى جهاد يلاقي فيه المشركين الذين يشنون عليه لحروب والعداوة, وجدناه في مقدمة الصفوف يتمنى الشهادة بروح محب, والحاح عاشق..!!

  فإذا وضعت الحرب أوزارها, فأين نراه..؟؟
هناك في المسجد الجامع, أو في مسجد داره, صائم نهاره, قائم ليله, لا يعرف لسانه حديثا من أحاديث الدنيا مهما يكن حلالا, إنما هو رطب دائما بذكر الله, تاليا قرآنه, أو مسبّحا بحمده, أو مستغفرا لذنبه..
وحسبنا إدراكا لأبعاد عبادته ونسكه, أن نرى الرسول الذي جاء يدعو الناس إلى عبادة الله. يجد نفسه مضطرا للتدخل كما يجد من إيغال عبدالله في العبادة..!!
وهكذا إذا كان أحد وجهي العظة في حياة عبدالله بن عمرو, الكشف عما تزخر به النفس الإنسانية من قدرة فائقة على بلوغ أقضى درجات التعبّد والتجرّد والصلاح, فان وجهها الآخر هو حرص الدين على القصد والاعتدال في نشدان كل تفوّق واكتمال, حتى يبقى للنفس حماستها وأشواقها..
وحتى تبقى للجسد عافيته وسلامته..!!
لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن عمرو بن العاص يقضي حياته على وتيرة واحدة..
وما لم يكن هناك خروج في غزوة فان أيامه كلها تتلخص في أنه من الفجر إلى الفجر في عبادة موصولة, صيام وصلاة, وتلاوة قرآن..
فاستدعاه النبي إليه, وراح يدعوه إلى القصد في عبادته..
قال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
" ألم اخبر أنك تصوم الناهر, ولا تفطر, وتصلي الليل لا تنام..؟؟
فحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام..
قال عبدالله:
إني أطيق أكثر من ذلك..
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
فحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين..
قال عبدالله:
فاني أطيق أكثر من ذلك..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فهل لك إذن في خير الصيام, صيام داود, كان يصوم يوما ويفطر يوما..
وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام يسأله قائلا:
وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة
واني أخشى أن يطول بك العمر
وأن تملّ قراءته..!!
اقرأه في كل شهر مرّة..
اقرأه في كل عشرة أيام مرّة..
اقرأه في كل ثلاث مرّة..
ثم قال له:
إني أصوم وأفطر..
وأصلي وأنام.
وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي
فليس مني".
ولقد عمّر عبدالله بن عمرو طويلا.. ولما تقدمت به السن ووهن منه العظم كان يتذكر دائما نصح الرسول فيقول:
" يا ليتني قبلت رخصة رسول الله"..
  
  إن مؤمنا من هذا الطراز ليصعب العثور عليه في معركة تدور رحاها بين جماعتين من المسلمين.
فكيف حملته ساقاه إذن من المدينة إلى صفين حيث أخذ مكانا في جيش معاوية في صراعه مع الإمام علي..؟
الحق أن موقف عبدالله هذا, جدير بالتدبّر, بقدر ما سيكون بعد فهمنا له جديرا بالتوقير والإجلال..

  رأينا كيف كان عبدالله بن عمرو مقبلا على العبادة إقبالا كاد يشكّل خطرا حقيقيا على حياته, الأمر الذي كان يشغل بال أبيه دائما, فيشكوه إلى رسول الله كثيرا.
وفي المرة الأخيرة التي أمره الرسول فيها بالقصد في العبادة وحدد له مواقيتها كان عمرو حاضرا, فأخذ الرسول يد عبدالله, ووضعها في يد عمرو ابن العاص أبيه.. وقال له:
" افعل ما أمرتك, وأطع أباك".
وعلى الرغم من أن عبدالله, كان بدينه وبخلق, مطيعا لأبويه فقد كان أمر الرسول له بهذه الطريقة وفي هذه المناسبة ذا تأثير خاص على نفسه.
وعاش عبدالله بن عمرو عمره الطويل لا ينسى لحظة من نهار تلك العبارة الموجزة.
" افعل ما أمرتك, وأطع أباك".
   وتتابعت في موكب الزمن أعوام وأيام
ورفض معاوية بالشام أن يبايع عليا..
ورفض علي أن يذعن لتمرّد غير مشروع.
وقامت الحرب بين طائفتين من المسلمين.. ومضت موقعة الجمل.. وجاءت موقعة صفين.
كان عمر بن العاص قد اختار طريقه إلى جوار معاوية وكان يدرك مدى إجلال المسلمين لابنه عبدالله ومدى ثقتهم في دينه, فأراد أن يحمله على الخروج ليكسب جانب معاوية بذلك الخروج كثيرا..
كذلك كان عمرو يتفاءل كثيرا بوجود عبدالله إلى جواره في قتال, وهو لا ينسى بلاءه معه في فتوح الشام, ويوم اليرموك.
فحين همّ بالخروج إلى صفين دعاه إليه وقال له:
يا عبدالله تهيأ للخروج, فانك ستقاتل معنا..
وأجابه عبدالله:
" كيف وقد عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أضع سيفا في عنق مسلم أبدا..؟؟
وحاول عمرو بدهائه إقناعه بأنهم إنما يريدون بخروجهم هذا أن يصلوا إلى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الزكيّ.
ثم ألقى مفاجأته الحاسمة قائلا لولده:
" أتذكر يا عبدالله, آخر عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك: أطع أباك؟..
فاني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل".
وخرج عبدالله بن عمرو طاعة لأبيه, وفي عزمه ألا يحمل سيفا ولا يقاتل مسلما..
ولكن كيف يتم له هذا..؟؟
حسبه الآن أن يخرج مع أبيه.. أما حين تكون المعركة فلله ساعتئذ أمر يقضيه..!
ونشب القتال حاميا ضاريا..

  ويختلف المؤرخون فيما إذا كان عبدالله قد اشترك في بدايته أم لا..
ونقول: بدايته.. لأن القتال لم يلبث إلا قليلا, حتى وقعت واقعة جعلت عبدالله بن عمرو يأخذ مكانه جهارا ضدّ الحرب, وضدّ معاوية..
وذلك إن عمّار بن ياسر كان يقاتل مع عليّ وكان عمّار موضع إجلال مطلق من أصحاب الرسول.. وأكثر من هذا, فقد تنبأ في يوم بعيد بمصرعه ومقتله.
كان ذلك والرسول وأصحابه يبنون مسجدهم بالمدينة اثر هجرتهم إليها..
وكانت الأحجار عاتية ضخمة لا يطيق أشد الناس قوة أن يحمل منها أكثر من حجر واحد.. لكن عمارا من فرط غبطته ونشوته, راح يحمل حجرين حجرين, وبصر به الرسول فتملاه بعينين دامعتين وقال:
" ويح ابن سميّة, تقتله الفئة الباغية".
سمع كل أصحاب رسول الله المشتركين في البناء يومئذ هذه النبوءة, ولا يزالون لها ذاكرين.
وكان عبدالله بن عمر أحد الذين سمعوا.
وفد بدء القتال بين جماعة عليّ وجماعة معاوية, كان عمّار يصعد الروابي ويحرّض بأعلى صوته ويصيح.
" اليوم نلقى الأحبة, محمدا وصحبه".
وتواصى بقتله جماعة من جيش معاوية, فسددوا نحوه رمية آثمة, نقلته إلى عالم الشهداء الأبرار.
وسرى النبأ كالريح أن عمّار قد قتل..
وانقضّ عبدالله بن عمرو ثائرا مهتاجا:
أوقد قتل عمار..؟
وأنتم قاتلوه..؟
إذن انتم الفئة الباغية.
أنتم المقاتلون على ضلالة..!!
وانطلق في جيش معاوية كالنذير, يثبط عزائمهم, ويهتف فيهم أنهم بغاة, لأنهم قتلوا عمارا وقد تنبأ له الرسول منذ سبع وعشرين سنة على ملأ من المسلمين بأنه ستقتله الفئة الباغية..

  وحملت مقالة عبدالله إلى معاوية, ودعا عمرا وولده عبدالله, وقال لعمرو:
" ألا تكف عنا مجنونك هذا..؟
قال عبدالله:
ما أنا بمجنون ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية.
فقال له معاوية:
فلم خرجت معنا:؟
قال عبدالله:
لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي, وقد  أطعته في الخروج, ولكني لا أقاتل معكم.
وإذ هما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمار في الدخول, فصاح عبدالله بن عمرو:
ائذن له وبشره بالنار.
وأفلتت مغايظ معاوية على الرغم من طول أناته, وسعة حلمه, وصاح بعمرو: أو ما تسمع ما يقول..
وعاد عبدالله في هدوء المتقين واطمئنانهم, يؤكد لمعاوية أنه ما قال إلا الحق, وأن الذين قتلوا عمارا ليسوا إلا بغاة..
والتفت صوب أبيه وقال:
لولا أن رسول الله أمرني بطاعتك ما سرت معكم هذا المسير.
وخرج معاوية وعمرو يتفقدان جيشهما, فروّعا حين سمعوا الناس جميعا يتحدثون عن نبوءة الرسول لعمار:
تقتلك الفئة الباغية.
وأحس عمرو ومعاوية أن هذه المهمة توشك أن تتحول إلى نكوص عن معاوية وتمرّد عليه.. ففكرا حتى وجدا حيلتهما التي مضيا يبثانها في الناس..
قالا:
نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار ذات يوم:
تقتلك الفئة الباغية..
ونبوءة الرسول حق..
وها هو ذا عمار قد قتل..
فمن قتله..؟؟
إنما قتله الذين خرجوا به, وحملوه معهم إلى القتال"..!!
وفي مثل هذا الهرج يمكن لأي منطق أن يروّج, وهكذا راج منطق معاوية وعمرو..
واستأنف الفريقان القتال..
وعاد عبدالله بن عمرو إلى مسجده, وعبادته..
  
  وعاش حياته لا يملؤها بغير مناسكه وتعبّده..
غير أن خروجه إلى صفين مجرّد خروجه, ظل مبعوث قلق له على الدوام.. فكان لا تلم به  الذكرى حتى يبكي ويقول:
" مالي ولصفين..؟؟
مالي ولقتال المسلمين"..؟
  
  وذات يوم وهو جالس في مسجد الرسول مع بعض أصحابه مرّ بهم الحسين بن علي رضي الله عنهما, وتبادلا السلام..
ولما مضى عنهم قال عبدالله لمن معه:
" أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء..؟
انه هذا الذي مرّ بنا الآن الحسين بن علي..
وانه ما كلمني منذ صفين..
ولأن يرضى عني أحب إليّ من حمر النعم"..!!
واتفق مع أبي سعيد الخدري على زيارة الحسين..
وهناك في دار الحسين تم لقاء الأكرمين..
وبدأ عبدالله بن عمرو الحديث, فأتى على ذكر صفين فسأله الحسين معاتبا:
" ما الذي حملك على الخروج مع معاوية"..؟؟
قال عبدالله:
" ذات يوم شكاني عمرو بن العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:
" إن عبدالله يصوم النهار كله, ويقوم الليل كله.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا عبدالله صل ونم.. وصم وافطر.. وأطع أباك..
ولما كان يوم صفين أقسم عليّ أبي أن أخرج معهم, فخرجت..
ولكن والله ما اخترطت سيفا, ولا طعنت برمح, ولا رميت بسهم"..!!
وبينما هو يتوغل الثانية والسبعين من عمره المبارك..
وإذ هو في مصلاه, يتضرّع إلى ربه, ويسبّح بحمده دعي إلى رحلة الأبد, فلبى الدعاء في شوق عظيم..
وإلى إخوانه الذين سبقوه بالحسنى, ذهبت روحه تسعى وتطير..
والبشير يدعوها من الرفيق الأعلى:
( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)

عبدالله بن عباس ( حبر هذه الأمة )

رجال حول الرسول ( صلّى الله عليه وسلّم )

  عبد الله بن عباس ( حبر هذه الأمة )

  يشبه ابن عباس, عبدالله بن الزبير في أنه أدرك الرسول وعاصره وهو غلام, ومات الرسول قبل أن يبلغ ابن عباس سنّ الرجولة.
لكنه هو الآخر تلقى في حداثته كل خامات الرجولة, ومبادئ حياته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يؤثره, ويزكيه, ويعلّمه الحكمة الخالصة.
وبقوة إيمانه, وقوة خلقه, وغزارة علمه, اقتعد ابن عباس رضي الله عنه مكانا عاليا بين الرجال حول الرسول.
  
  هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم, عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولقبه الحبر.. حبر هذه الأمة, هيأه لهذا اللقب, ولهذه المنزلة استنارة عقله وذكاء قلبه, واتساع معارفه.
لقد عرف ابن عباس طريق حياته في أوليات أيامه وازداد بها معرفة عندما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام يدنيه منه وهو طفل ويربّت على كتفه وهو يقول:
" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
ثم توالت المناسبات والفرص التي يكرر فيها الرسول هذا الدعاء ذاته لابن عمه عبدالله بن عباس.. وآنئذ أدرك ابن عباس أنه خلق للعلم, والمعرفة.
وكان استعداده العقلي يدفعه في هذا الطريق دفعا قويا.

  فعلى الرغم من أنه لم يكن قد جاوز الثالثة عشرة من عمره يوم مات رسول الله, فانه لم يصنع من طفولته الواعية يوما دون أن يشهد مجالس الرسول ويحفظ عنه ما يقول..
وبعد ذهاب الرسول إلى الرفيق الأعلى حرص ابن عباس على أن يتعلم من أصحاب الرسول السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول نفسه..
هنالك, جعل من نفسه علامة استفهام دائمة.. فلا يسمع أن فلانا يعرف حكمة, أو يحفظ حديثا, إلا سارع إليه وتعلم منه..
وكان عقله المضيء الطموح يدفعه لفحص كل ما يسمع.. فهو لا يغنى بجمع المعرفة فحسب, بل ويغنى مع جمعها بفحصها وفحص مصادرها..
يقول عن نفسه:
" إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد, ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ويعطينا صورة لحرصه على إدراكه الحقيقة والمعرفة فيقول:
" لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لفتى من الأنصار:
هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله, فإنهم اليوم كثير.
فقال: يا عجبا لك يا بن عباس!! أترى الناس يفتقرون إليك, وفيهم من أصحاب رسول الله من ترى..؟؟
فترك ذلك, وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله.. فان كان ليبلغني الحديث عن الرجل, فآتي إليه وهو قائل في الظهيرة, فأتوسّد ردائي على بابه, يسفي الريح عليّ من التراب, حتى ينتهي من مقيله, ويخرج فيراني, فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك..؟؟ هلا أرسلت إلي فآتيك..؟؟ فأقول لا, أنت أحق بأن أسعى إليك, فأسأله عنه الحديث وأتعلم منه"..!!
هكذا راح فتانا العظيم يسأل, ويسأل, ويسأل.. ثم يفحص الإجابة مع نفسه, ويناقشها بعقل جريء.
وهو في كل يوم, تنمو معارفه, وتنمو حكمته, حتى توفرت له في شبابه الغضّ حكمة الشيوخ وأناتهم, وحصافتهم, وحتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحرص على مشورته في كل أمر كبير.. وكان يلقبه بفتى الكهول..!!
سئل ابن عباس يوما:" أنّى أصبت هذا العلم"..؟
فأجاب:
" بلسان سؤول..
وقلب عقول"..
فبلسانه المتسائل دوما, وبعقله الفاحص أبدا, ثم بتواضعه ودماثة خلقه, صار ابن عباس" حبر هذه الأمة..
ويصفه سعد بن أبي وقاص بهذه الكلمات:
" ما رأيت أحدا أحضر فهما, ولا أكبر لبّا, ولا أكثر علما, ولا أوسع حلما من ابن عباس..
ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات, وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس, ولا يجاوز عمر قوله"..
وتحدث عنه عبيد بن عتبة فقال:
" ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عباس..
ولا رأيت أحدا, أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه..
ولا أفقه في رأي منه..
ولا أعلم بشعر ولا عربية, ولا تفسير للقرآن, ولا بحساب وفريضة منه..
ولقد كان يجلس يوما للفقه.. ويوما للتأويل.. يوما للمغازي.. ويوما للشعر.. ويوم لأيام العرب وأخبارها..
وما رأيت عالما جلس إليه إلا خضع له, ولا سائلا إلا وجد عنده علما"..!!
  
  ووصفه مسلم من أهل البصرة, وكان ابن عباس قد عمل واليا عليها للإمام عليّ ابن أبي طالب, فقال:
" انه آخذ بثلاث, تارك لثلاث..
آخذ بقلوب الرجال إذا حدّث..
وبحسن الاستماع إذا حدّث..
وبأيسر الأمرين إذا خولف..
وتارك المراء..
ومصادقة اللئام..
وما يعتذر منه"..!!
  
  وكان تنوّع ثقافته, وشمول معرفته ما يبهر الألباب.. فهو الحبر الحاذق الفطن في كل علم.. في تفسير القرآن وتأويله وفي الفقه.. وفي التاريخ.. وفي لغة العرب وآدابهم, ومن ثمّ فقد كان مقصد الباحثين عن المعرفة, يأتيه الناس أفواجا من أقطار الإسلام, ليسمعوا منه, وليتفقهوا عليه..
حدّث أحد أصحابه ومعاصريه فقال:
" لقد رأيت من ابن عباس مجلسا, لو أن جميع قريش فخرت به, لكان لها به الفخر..
رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق, فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب..
فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه, فقال لي: ضع لي وضوءا, فتوضأ وجلس وقال: أخرج إليهم, فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله..فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملأوا البيت, فما سالوا عن شيء إلا اخبرهم وزاد..
ثم قال لهم: إخوانكم.. فخرجوا ليفسحوا لغيرهم.
ثم قال لي: أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام..
فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملأوا البيت, فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم..
ثم قال: إخوانكم.. فخرجوا..
ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض, فآذنتهم, فدخلوا حتى ملأوا البيت, فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم..
ثم قال لي: ادع من يريد أن يسال عن العربية, والشعر..
فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت, فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم"!!

  وكان ابن عباس يمتلك إلى جانب ذاكرته القوية, بل الخارقة, ذكاء نافذا, وفطنة بالغة..
كانت حجته كضوء الشمس ألقا, ووضوحا, وبهجة.. وهو في حواره ومنطقه, لا يترك خصمه مفعما بالاقتناع وحسب, بل ومفعما بالغبطة من روعة المنطق وفطنة الحوار..
ومع غزارة علمه, ونفاذ حجته, لم يكن يرى في الحوار والمناقشة معركة ذكاء, يزهو فيها بعلمه, ثم بانتصاره على خصمه.. بل كان يراها سبيلا قويما لرؤية الصواب ومعرفته..
ولطالما روّع الخوارج بمنطقه الصارم العادل..
بعث به الإمام عليّ كرّم الله وجهه ذات يوم إلى طائفة كبيرة منهم فدار بينه وبينهم حوار رائع وجّه فيه الحديث وساق الحجة بشكل يبهر الألباب..
ومن ذلك الحوار الطويل نكتفي بهذه الفقرة..
سألهم ابن عباس:
" ماذا تنقمون من عليّ..؟"
قالوا:
" ننتقم منه ثلاثا:
أولاهنّ: أنه حكّم الرجال في دين الله, والله يقول إن الحكم إلا لله..
والثانية: أنه قاتل, ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم, فلئن كانوا كفارا, فقد حلّت أموالهم, وان كانوا مؤمنين فقد حرّمت عليه دماؤهم..!!
والثالثة: رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين, استجابة لأعدائه, فان لم يكن أمير المؤمنين, فهو أمير الكافرين.."
وأخذ ابن عباس يفنّد أهواءهم فقال:
" أما قولكم: انه حكّم الرجال في دين الله, فأيّ بأس..؟
إن الله يقول: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ....)    المائدة (95)
فنبؤوني بالله: أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى, أم تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم..؟؟!!
وتلعثم زعماؤهم تحت وطأة هذا المنطق الساخر والحاسم.. واستأنف حبر الأمة حديثه:
" وأما قولكم: انه قاتل فلم يسب ولم يغنم, فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا, ويأخذ أسلابها غنائم..؟؟
وهنا كست وجوههم صفرة الخجل, وأخذوا يوارون وجوههم بأيديهم..
وانتقل ابن عباس إلى الثالثة:
" وأما قولكم: انه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين, حتى يتم التحكيم, فاسمعوا ما فعله الرسول يوم الحديبية, إذ راح يملي الكتاب الذي يقوم بينه وبين قريش, فقال للكاتب: اكتب. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال مبعوث قريش: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك..
فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله.. فقال لهم الرسول: والله إني لرسول الله وان كذبتم.. ثم قال لكاتب الصحيفة: اكتب ما يشاءون: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله"..!!
واستمرّ الحوار بين ابن عباس والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز.. وما كاد ينتهي النقاش بينهم حتى نهض منهم عشرون ألفا, معلنين اقتناعهم, ومعلنين خروجهم من خصومة الإمام عليّ..!!

  ولم يكن ابن عباس يمتلك هذه الثروة الكبرى من العلم فحسب. بل كان يمتلك معها ثروة أكبر, من أخلاق العلم وأخلاق العلماء.
فهو في جوده وسخائه إمام وعلم..
انه ليفيض على الناس من ماله.. بنفس السماح الذي يفيض به عليهم من علمه..!!
ولقد كان معاصروه يتحدثون فيقولون:
" ما رأينا بيتا أكثر طعاما, ولا شرابا, ولا فاكهة, ولا علما من بيت ابن عباس"..!!
وهو طاهر القلب, نقيّ النفس, لا يحمل لأحد ضغنا ولا غلا.
وهوايته التي لا يشبع منها, هي تمنّيه الخير لكل من يعرف ومن لا يعرف من الناس..
يقول عن نفسه:
" إني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم..
وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل, ويحكم بالقسط, فأفرح به وأدعو له.. ومالي عنده قضيّة..!!
وإني  لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به, ومالي بتلك الأرض سائمة..!!"

  وهو عابد قانت أوّاب.. يقوم من الليل, ويصوم من الأيام, ولا تخطئ العين مجرى الدموع تحت خديّه, إذ كان كثير البكاء كلما صلى.. وكلما قرأ القرآن..
فإذا بلغ في قراءته بعض آيات الزجر والوعيد, وذكر الموت, والبعث علا نشيجه ونحيبه.

  وهو إلى جانب هذا شجاع, أمين, حصيف.. ولقد كان له في الخلاف بين عليّ ومعاوية آراء تدلّ على امتداد فطنته, وسعة حيلته.
وهو يؤثر السلام على الحرب.. والرفق على العنف.. والمنطق على القسر..
عندما همّ الحسين رضي الله عنه بالخروج إلى العراق ليقاتل زيادا, ويزيد, تعلق ابن عباس به واستمات في محاولة منعه.. فلما بلغه فيما بعد نبأ استشهاده, أقضّه الحزن عليه, ولزم داره.
وفي كل خلاف ينشب بين مسلم ومسلم, لم تكن تجد ابن عباس إلا حاملا راية السلم, والتفاهم واللين..
صحيح أنه خاض المعركة مع الإمام عليّ ضد معاوية. ولكنه فعل ذلك لأن المعركة في بدايتها كانت تمثل ردعا لازما لحركة انشقاق رهيبة, تهدد وحدة الدين ووحدة المسلمين.

  وعاش ابن عباس يملأ دنياه علما وحكمة, وينشر بين الناس عبيره وتقواه..
وفي عامه الحادي والسبعين, دعي  للقاء  ربه العظيم وشهدت مدينة الطائف مشهدا حافلا لمؤمن يزف إلى الجنان.
وبينما كان جثمانه يأخذ مستقره الآمن في قبره, كانت جنبات الأفق تهتز بأصداء وعد الله الحق:
(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) ) الفجر

عبدالرحمن بن عوف ( ما يبكيك يا أبا محمد )

رجال حول الرسول ( صلّى الله عليه وسلّم )

عبدالرحمن بن عوف ( ما يبكيك يا أبا محمد )

 
ذات يوم, والمدينة ساكنة هادئة, أخذ يقترب من مشارفها نقع كثيف, راح يتعالى ويتراكم حتى كاد يغطي الأفق.
ودفعت الريح هذه الأمواج من الغبار المتصاعد من رمال الصحراء الناعمة, فاندفعت تقترب من أبواب المدينة, وتهبّ هبوبا قويا على مسالكها.
وحسبها الناس عاصفة تكنس الرمال وتذروها, لكنهم سرعان ما سمعوا وراء ستار الغبار ضجة تنبئ عن قافلة كبيرة مديدة.
ولم يمض وقت غير وجيز, حتى كانت سبعمائة راحلة موقرة الأحمال تزحم شوارع المدينة وترجّها رجّا, ونادى الناس بعضهم بعضا ليروا مشهدها الحافل, وليستبشروا ويفرحوا بما تحمله من خير ورزق..

  وسألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, وقد تردد إلى سمعها أصداء القافلة الزاحفة..
سألت: ما هذا الذي يحدث في المدينة..؟
وأجيبت: إنها قافلة لعبدالرحمن بن عوف جاءت من الشام تحمل تجارة له..
قالت أم المؤمنين:
قافلة تحدث كل هذه الرّجّة..؟!
أجل يا أم المؤمنين.. إنها سبعمائة راحلة..!!
وهزت أم المؤمنين رأسها, وأرسلت نظراتها الثاقبة بعيدا, كأنها تبحث عن ذكرى مشهد رأته, أو حديث سمعته..
"أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
رأيت عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا"..
  
  عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا..؟
ولماذا لا يدخلها وثبا هرولة مع السابقين من أصحاب رسول الله..؟
ونقل بعض أصحابه مقالة عائشة إليه, فتذكر أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث أكثر من مرة, وبأكثر من صيغة.
وقبل أن تفضّ مغاليق الأحمال من تجارته, حث خطاه إلى بيت عائشة وقال لها: لقد ذكّرتيني بحديث لم أنسه..

  ثم قال:
" أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها, وأقتابها, وأحلاسها, في سبيل الله عز وجل"..
ووزعت حمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها في مهرجان برّ عظيم..!!
هذه الواقعة وحدها, تمثل الصورة الكاملة لحياة صاحب رسول الله عبدالرحمن بن عوف".
فهو التاجر الناجح, أكثر ما يكون النجاح وأوفاه..
وهو الثري, أكثر ما يكون الثراء وفرة وإفراطا..
وهو المؤمن الأريب, الذي يأبى أن تذهب حظوظه من الدين, ويرفض أن يتخلف به ثراؤه عن قافلة الإيمان ومثوبة الجنة.. فهو رضي الله عنه يجود بثروته في سخاء وغبطة ضمير..!!
  
  متى وكيف دخل هذا العظيم الإسلام..؟
لقد أسلم في وقت مبكر جدا..
بل أسلم في الساعات الأولى للدعوة, وقبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم ويتخذها مقرا لالتقائه بأصحابه المؤمنين..
فهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام..
عرض عليه أبوبكر الإسلام هو وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص, فما غمّ عليهم الأمر ولا أبطأ بهم الشك, بل سارعوا مع الصدّيق إلى رسول الله يبايعونه ويحملون لواءه.
ومنذ أسلم إلى أن لقي ربه في الخامسة والسبعين من عمره, وهو نموذج باهر للمؤمن العظيم, مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يضعه مع العشرة  الذين بشّرهم بالجنة.. وجعل عمر رضي الله عنه يضعه مع أصحاب الشورى الستة الذين جعل الخلافة فيهم من بعده قائلا:" لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض".
وفور إسلام عبدالرحمن بن عوف حمل حظه المناسب, ومن اضطهاد قريش وتحدّياتها..
وحين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة هاجر ابن عوف ثم عاد إلى مكة, ثم هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية ثم هاجر إلى المدينة.. وشهد بدرا, وأحدا, والمشاهد كلها..
   وكان محظوظا في التجارة إلى حدّ أثار عجبه ودهشه فقال:
" لقد رأيتني, لو رفعت حجرا, لوجدت تحت فضة وذهبا"..!!
ولم تكن التجارة عند عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه شرها ولا احتكارا..
بل لم تكن حرصا على جمع المال شغفا بالثراء..
كلا..
إنما كانت عملا, وواجبا يزيدهما النجاح قربا من النفس, ومزيدا من السعي..
وكان ابن عوف يحمل طبيعة جيّاشة, تجد راحتها في العمل الشريف حيث يكون..
فهو إذا لم يكن في المسجد يصلي, ولا في الغزو يجاهد فهو في تجارته التي نمت نموا هائلا, حتى أخذت قوافله تفد على المدينة من مصر, ومن الشام, محملة بكل ما تحتاج إليه جزيرة العرب من كساء وطعام..
ويدلّنا على طبيعته الجيّاشة هذه, مسلكه غداة هجر المسلمين إلى المدينة..
لقد جرى نهج الرسول يومئذ على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه, أحدهما مهاجر من مكة, والآخر أنصاري من المدينة.
وكانت هذه المؤاخاة تم على نسق يبهر الألباب, فالأنصاري من أهل المدينة يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك.. حتى فراشه, فإذا كان تزوجا باثنين طلق إحداهما, ليتزوجها أخوه..!!
ويومئذ آخى الرسول الكريم بين عبدالرحمن بن عوف, وسعد بن الربيع..
ولنصغ للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا ما حدث:
" .. وقال سعد لعبدالرحمن: أخي, أنا أكثر أهل المدينة مالا, فانظر شطر مالي فخذه!!
وتحتي امرأتان, فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلقها, وتتزوجها..!
فقال له عبدالرحمن بن عوف:
بارك الله لك في أهلك ومال..
دلوني على السوق..
وخرج إلى السوق, فاشترى.. وباع.. وربح"..!!
وهكذا سارت حياته في المدينة, على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته, أداء كامل لحق الدين, وعمل الدنيا.. وتجارة رابحة ناجحة, لو رفع صاحبها على حد قوله حجرا من مكانه لوجد تحته فضة وذهبا..!!
ومما جعل تجارته ناجحة مباركة, تحرّيه الحلال, ونأيه الشديد عن الحرام, بل عن الشبهات..
كذلك مما زادها نجاحا وبركة أنها لم تكن لعبدالرحمن وحده.. بل كان لله فيها نصيب أوفى, يصل به أهله, وإخوانه, ويجهّز به جيوش الإسلام..

  وإذا كانت الجارة والثروات, إنما تحصى بأعداد رصيدها وأرباحها فان ثروة عبدالرحمن بن عوف إنما تعرف مقاديرها وأعدادها بما كان ينفق منها في سبيل الله رب العالمين..!!
لقد سمع رسول الله يقول له يوما:
" يا بن عوف انك من الأغنياء..
وانك ستدخل الجنة حبوا..
فأقرض الله يطلق لك قدميك"..
ومن سمع هذا النصح من رسول الله, وهو يقرض ربه قرضا حسنا, فيضاعفه له أضعافا كثيرة.
باع في يوم أرضا بأربعين ألف دينار, ثم فرّقها في أهله من بني زهرة, وعلى أمهات المؤمنين, وفقراء المسلمين.
وقدّم يوما لجيوش الإسلام خمسمائة فرس, ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة.
وعند موته, أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله, وأوصى  لكل من بقي ممن شهدوا بدرا بأربعمائة دينار, حتى إن عثمان بن عفان رضي الله عنه, أخذ نصيبه من الوصية برغم ثرائه وقال:" إن مال عبدالرحمن حلال صفو, وان الطعمة منه عافية وبركة".
  
  كان ابن عوف سيّد ماله ولم يكن عبده..
وآية ذلك أنه لم يكن يشقى بجمعه ولا باكتنازه..
بل هو يجمعه هونا, ومن حلال.. ثم لا ينعم به وحده.. بل ينعم به معه أهله ورحمه وإخوانه ومجتمعه كله.
ولقد بلغ من سعة عطائه وعونه أنه كان يقال:
" أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله.
" ثلث يقرضهم..
وثلث يقضي عنهم ديونهم..
وثلث يصلهم ويعطيهم.."
ولم كن ثراؤه هذا ليبعث الارتياح لديه والغبطة في نفسه, لو لم يمكّنه من مناصرة دينه, ومعاونة إخوانه.
أما بعد هذا, فقد كان دائم الوجل من هذا الثراء..
جيء له يوما بطعام الإفطار, وكان صائما..
فلما وقعت عيناه عليه فقد شهيته وبكى وقال:
" استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني, فكفّن في بردة إن غطت رأسه, بدت رجلاه, وان غطت رجلاه بدا رأسه.
واستشهد حمزة وهو خير مني, فلم يوجد له ما يدفن فيه إلا بردة.
ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط, وأعطينا منها ما أعطينا واني لأخشى أن نكون قد عجّلت لنا حسناتنا"..!!
واجتمع يوما نع بعض أصحابه على طعام عنده.
وما كاد الطعام يوضع أمامهم حتى بكى وسألوه:
ما يبكيك يا أبا محمد..؟؟
قال:
" لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير..
ما أرانا أخرنا لم هو خير لنا"..!!
كذلك لم يبتعث ثراؤه العريض ذرة واحدة من الصلف والكبر في نفسه..
حتى لقد قيل عنه: انه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه, ما استطاع أن يميزه من بينهم..!!
لكن إذا كان هذا الغريب يعرف طرفا من جهاد ابن عوف وبلائه, فيعرف مثلا أنه أصيب يوم أحد بعشرين جراحة, وان إحدى هذه الإصابات تركت عرجا دائما في إحدى ساقيه.. كما سقطت يوم أحد بعض ثناياه. فتركت همّا واضحا في نطقه وحديثه..
عندئذ لا غير, يستطيع هذا الغريب أن يعرف أن هذا الرجل الفارع القامة, المضيء الوجه, الرقيق البشرة, الأعرج, الأهتم من جراء إصابته يوم أحد هو عبدالرحمن بن عوف..!!
رضي الله عنه وأرضاه..
  
  لقد عوّدتنا طبائع البشر أن الثراء ينادي السلطة...
أي أن الأثرياء يحبون دائما أن يكون لهم نفوذ يحمي ثراءهم ويضاعفه, ويشبع شهوة الصلف والاستعلاء والأنانية التي يثيرها الثراء عادة..
فإذا رأينا عبدالرحمن بن عوف في ثرائه العريض هذا, رأينا إنسانا عجبا يقهر طبائع البشر في هذا المجال ويتخطاها إلى سموّ فريد..!

حدث ذلك عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجود بروحه الطاهرة, ويختار ستة رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ليختاروا من بينهم الخليفة الجديد..
كانت الأصابع تومئ نحو ابن عوف وتشير..
ولقد فاتحه بعض الصحابة في أنه أحق الستة بالخلافة, فقال:
" والله, لأن تؤخذ مدية, فتوضع في حلقي, ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر أحب إلي من ذلك"..!!

  وهكذا لم يكد الستة المختارون يعقدون اجتماعهم ليختاروا أحدهم خليفة بعد الفاروق عمر حتى أنبأ إخوانه الخمسة الآخرين أنه متنازل عن الحق الذي أضفاه عمر عليه حين جعله أحد الستة الذين يختار الخليفة منهم.. وأنّ عليهم أن يجروا عملية الاختيار بينهم وحدهم أي بين الخمسة الآخرين..
وسرعان ما أحله هذا الزهد في المنصب مكان الحكم بين الخمسة الأجلاء, فرضوا أن يختار هو الخليفة من بينهم, وقال الإمام علي:
" لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفك بأنك أمين في أهل السماء, وأمين في أهل الأرض"..
واختار ابن عوف عثمان بن عفان للخلافة, فأمضى الباقون اختياره.
  
  هذه حقيقة رجل ثري في الإسلام..
فهل رأيتم ما صنع الإسلام به حتى رفعه فوق الثرى بكل مغرياته ومضلاته, وكيف صاغه في أحسن تقويم..؟؟
وها هو ذا في العام الثاني والثلاثين للهجرة, يجود بأنفاسه..
وتريد أم المؤمنين عائشة أن تخصّه بشرف لم تختصّ به سواه, فتعرض عليه وهو على فراش الموت أن يدفن في حجرتها إلى جوار الرسول وأبي بكر وعمر..
ولكنه مسلم أحسن الإسلام تأديبه, فيستحي أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار...!!
ثم انه على موعد سابق وعهد وثيق مع عثمان بن مظعون, إذ تواثقا ذات يوم: أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه..
  
  وبينما كانت روحه تتهيأ لرحلتها الجديدة كانت عيناه تفيضان من الدمع ولسانه يتمتم ويقول:
" إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال"..
ولكن سكينة الله سرعان ما تغشته, فكست وجهه غلالة رقيقة من الغبطة المشرقة المتهللة المطمئنة..
وأرهفت أذناه للسمع.. كما لو كان هناك صوت عذب يقترب منهما..
لعله آنئذ, كان يسمع صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم له منذ عهد بعيد:

" عبدالرحمن بن عوف في الجنة"..
ولعله كان يسمع أيضا وعد الله في كتابه..
( ّالّذيِنَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262))..(البقرة )